فخر الدين الرازي
142
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
ويحتمل أن يكون المراد هو العلو في المكان ، ويحتمل أن يكون المراد هو العلو في الدرجة والشرف والمنقبة ، أما العلو في المكان فذاك لأن الجنة درجات بعضها أعلى من بعض ، قال عطاء : الدرجة مثل ما بين السماء والأرض . وثانيها : قوله : [ سورة الغاشية ( 88 ) : آية 11 ] لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً ( 11 ) وفيه مسألتان : المسألة الأولى : في قوله : لا تَسْمَعُ ثلاث قراءات أحدها : قرأ عاصم وحمزة والكسائي بالتاء على الخطاب لاغية بالنصب والمخاطب بهذا الخطاب ، يحتمل أن يكون هو النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأن يكون لا تسمع يا مخاطب فيها لاغية ، وهذا يفيد السماع في الخطاب كقوله : وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ [ الإنسان : 20 ] وقوله : إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ [ الإنسان : 19 ] ويحتمل أن تكون هذه التاء عائدة إلى وُجُوهٌ [ الغاشية : 8 ] ، والمعنى لا تسمع الوجوه فيها لاغية وثانيها : قرأ نافع بالتاء المنقوطة من فوق مرفوعة على التأنيث لاغية بالرفع وثالثها : قرأ ابن كثير وأبو عمرو لا يسمع بالياء المنقوطة من تحت مضمومة على التذكير لاغية بالرفع ، وذلك جائز لوجهين الأول : أن هذا الضرب من المؤنث إذا تقدم فعله . وكان بين الفعل والاسم حائل حسن التذكير ، قال الشاعر : إن امرءا غره منكن واحدة * بعدي وبعدك في الدنيا لمغرور والثاني : أن المراد باللاغية اللغو فالتأنيث على اللفظ والتذكير على المعنى . المسألة الثانية : لأهل اللغة في قوله : لاغِيَةً ثلاثة أوجه أحدها : أنه يقال : لغا يلغو لغوا ولاغية ، فاللاغية واللغو شيء واحد ، ويتأكد هذا الوجه بقوله سبحانه : لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً * [ مريم : 62 ] ، وثانيها : أن يكون صفة والمعنى لا يسمع كلمة لاغية وثالثها : قال الأخفش : لاغية أي كلمة ذات لغو كما تقول : فارس ودارس لصاحب الفرس والدرع ، وأما أهل التفسير فلهم وجوه أحدها : أن الجنة منزهة عن اللغو لأنها منزل جيران اللّه تعالى وإنما نالوها بالجد والحق لا باللغو والباطل ، وهكذا كل مجلس في الدنيا شريف مكرم فإنه يكون مبرأ عن اللغو وكل ما كان أبلغ في هذا كان أكثر جلالة ، هذا ما قرره القفال والثاني : قال الزجاج لا يتكلم أهل الجنة إلا بالحكمة / والثناء على اللّه تعالى على ما رزقهم من النعيم الدائم والثالث : عن ابن عباس يريد لا تسمع فيها كذبا ولا بهتانا ولا كفرا باللّه ولا شتما والرابع : قال مقاتل : لا يسمع بعضهم من بعض الحلف عند شراب كما يحلف أهل الدنيا إذا شربوا الخمر وأحسن الوجوه ما قرره القفال الخامس : قال القاضي : اللغو ما لا فائدة فيه ، فاللّه تعالى نفى عنهم ذلك ويندرج فيه ما يؤذي سامعه على طريق الأولى . الصفة الثالثة للجنة : قوله تعالى : [ سورة الغاشية ( 88 ) : آية 12 ] فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ ( 12 ) قال صاحب الكشاف : يريد عيونا في غاية الكثرة كقوله : عَلِمَتْ نَفْسٌ * [ التكوير : 14 ] قال القفال : فيها عين شراب جارية على وجه الأرض في غير أخدود وتجري لهم كما أرادوا ، قال الكلبي : لا أدري بماء أو غيره . الصفة الرابعة : قوله تعالى :